محمد بن جرير الطبري
13
جامع البيان عن تأويل آي القرآن
يعبدونه من دون الله . وقد أتينا على ذكر السبب الذي من أجله اتخذوا العجل وكيف كان أمرهم وأمره فيما مضى بما فيه الكفاية . وقوله : من بعد ما جاءتهم البينات يعني : من بعد ما جاءت هؤلاء الذين سألوا موسى ما سألوا البينات من الله ، والدلالات الواضحات بأنهم لن يروا الله عيانا جهارا . وإنما عنى بالبينات : أنها آيات تبين عن أنهم لن يروا الله في أيام حياتهم في الدنيا جهرة ، وكانت تلك الآيات البينات لهم على أن ذلك كذلك ، إصعاق الله إياهم عند مسألتهم موسى أن يريهم ربه جهرة ، ثم إحياءه إياهم بعد مماتهم مع سائر الآيات التي أراهم الله دلالة على ذلك . يقول الله مقبحا إليهم فعلهم ذلك وموضحا لعباده جهلهم ونقص عقولهم وأحلامهم : ثم أقروا للعجل بأنه لهم إله ، وهم يرونه عيانا وينظرون إليه جهارا ، بعد ما أراهم ربهم من الآيات البينات ما أراهم ، أنهم لا يرون ربهم جهرة وعيانا في حياتهم الدنيا ، فعكفوا على عبادته مصدقين بألوهته . وقوله : فعفونا عن ذلك يقول : فعفونا لعبدة العجل عن عبادتهم إياه ، وللمصدقين منهم بأنه إلههم ، بعد الذي أراهم الله أنهم لا يرون ربهم في حياتهم من الآيات ما أراهم عن تصديقهم بذلك بالتوبة التي تابوها إلى ربهم بقتلهم أنفسهم وصبرهم في ذلك على أمر ربهم . وآتينا موسى سلطانا مبينا يقول : وآتينا موسى حجة تبين عن صدقه وحقية نبوته ، وتلك الحجة هي الآيات البينات التي آتاه الله إياها . القول في تأويل قوله تعالى : * ( ورفعنا فوقهم الطور بميثاقهم وقلنا لهم ادخلوا الباب سجدا وقلنا لهم لا تعدوا في السبت وأخذنا منهم ميثاقا غليظا ) * . . يعني جل ثناؤه بقوله : ورفعنا فوقهم الطور يعني : الجبل ، وذلك لما امتنعوا من العمل بما في التوراة ، وقبول ما جاءهم به موسى فيها . بميثاقهم يعني : بما أعطوا الله الميثاق والعهد : لنعملن بما في التوراة . وقلنا لهم ادخلوا الباب سجدا يعني : باب حطة ، حين أمروا أن يدخلوا منه سجودا ، فدخلوا يزحفون على أستاههم . وقلنا لهم لا